امكانية التحول الديمقراطى عقبات و ثغرات

|
هل هنالك إمكانية للتحول الديمقراطى فى السودان فى ظل الظروف والمعطيات السياسية الحالية . سؤال يرد فى أذهان الكثيرين ً بعد أن تقلصت فضاءات حرية التعبير  وتم قمع ومحاكمة عدد من المشاركين فى مسيرات سياسية سلمية فى عدد من مدن السودان احتجاجاً على زيادة أسعار المحروقات ، إضافة الى شكوى شركاء الحكومة – الحركة الشعبية وحركة تحرير السودان – من بطء إنفاذ اتفاقيات السلام الموقعة ، ومن عدم تعديل عدد من القوانين لتتماشى مع الدستور الانتقالى وروح الاتفاقية . أراء متعددة ما بين متفائل ومتخوف من تعثر أو تأخر التحول الديمقراطى والذى تنشده غالبية القوى السياسية الوطنية ، ومقترحات فى اتجاه الإسراع بالتحول الديمقراطى وردت فى التقرير التالى . صديق محمد توم – دستورى سابق – الأمين العام لحزب الأمة الإصلاح والتجديد بدأ متفائلاً بإمكانية التحول الديمقراطى وأعتبره المخرج الوحيد من الأزمة الحالية التى تعيشها البلاد . سليمان حامد عضو سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعى السودانى وعضو المجلس الوطنى يرى أن التحول الديمقراطى  يستوجب نضالاً جماهيرياً متسعاً تسهم فيه كل القوى المعارضة فى نضال وصراع وطنى مثابر ، ومعارك متوالية تفرق بين الزيادات فى أسعار السلع والكوارث التى أحدثها الفيضان ، الفاضل الأمين – أكاديمى يرى أن هنالك أرضية طيبة لتحقيق التحول الديمقراطى من حلال إنفاذ العديد من مواد الدستور الإنتقالى واتفاقية السلام الشاملةCPA ، واتفاقية سلام أبوجا DPA وأخيراً سلام الشرق (اتفاق أسمرا) .الأستاذ سليمان حامد) استند فى بداية حديثه الى مقدمة الدستور الانتقالي لسنة 2005 فقال نص الدستور الإنتقالى لسنة 2005م وكذلك اتفاقية نيفاشا والقاهرةاللتان أصبحتا جزءاً لا يتجزأ منه كما هو منصوص عليه فى مقدمة الدستور والتي تقول "والتزاماً منا بإقامة نظام لا مركزي وديمقراطي تعددى للحكم يتم فيه تداول السلطة سلمياً، وبإعلاء قيم العدل والمساواة وحفظ كرامة الإنسان ومساواة الرجال والنساء في الحقوق والواجبات ، إلتزاماً منا بضرورة التوجه بالحكم فى المرحلة المقبلة من مسيرتنا السياسية نحو تعزيز النمو الإقتصادى وتوطيد التوافق الإجتماعى وتعميق التسامح الدينى وبناء الثقة بين أهل السودان جميعاً. و اتزاماً باتفاقية السلام الشامل (CPA) الموقعة فى يناير 2005 واستهدافاً بدستور السودان لعام 1998م والتجارب الدستورية السابقة منذ الاستقلال والتجارب الأخرى ذات الصلة وتقديراً لمؤتمرات الحوار وببادرة الحوار الشعبى الشامل واتفاقيات السلام والمصالحة الوطنية خاصة اتفاقية القاهرة الموقعة فى يونيو 2005م وتباشير الاتفاقيات الأخرى المنهية للنزاعات فى البلاد .. نعلن بهذا اعتمادنا على الدستور قانوناً أعلى فى جمهورية السودان خلال الفترة الإنتقالية ونتهد باحترامه وحمايته" ، فما جاء فى الفصل الثاني وثيقة الحقوق المادة 27_1،2،3،4 ) والمواد (28)  ، (29)، (33)  من ضمان لحرية التعبير وكل الحقوق التى كفلتها المواثيق والاتفاقات الدولية والسودان عضو فيها .فكل ما ورد  فى الدستور لا يجمعه جامع مع ما تمارسه السلطة فى الواقع السياسى الراهن فحقوق الإنسان مهدرة ، فهو يخضع للاعتقال والتعذيب والإستدعاء والضرب الوحشى والإهانة والحرمان من حقه فى التعبير والتظاهر وكل ما نصت عليه الاتفاقات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وضمنت فى الدستور والشواهد على ممارسات الشرطة التى خرقت بها نصوص الدستور.واتفاقيتى نيفاشا والقاهرة لا تخفى. فالمظاهرات السلمية المطالبة بالحقوق المشروعة العادلة تواجه بالرصاص كما حدث فى كسلا وأمرى والخرطوم والعديد من مدن السودان ورغم أن المادة (31) من الدستور تشير الى أن الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق فى التمتع بحماية القانون دون تمييز بينهم بسبب العنصر ، أو اللون أو الجنس أو اللغة أو العقيدة الدينية أو الرأى السياسى أو الأصل العرقى .. إلا أن السلطة داست على ذلك عندما حمت الموكب الموالى لها وقمعت بوحشية وفظاعة بعيدة عن التقاليد والقوانين بل والتعدى على الدستور.. وهنالك العديد من الأمثلة الحية على الكيل بمكيالين. ويتجسد ذلك فى أبسط صوره فى الإنحياز الكامل دون حياء للتنظيمات النقابية الموالية للسلطة وتفادى تلك التى تحوز على شرعية الأغلبية الساحقة من العاملين ، وبهذا تتخطى السلطة ما ورد فى المادة 40 (1) من الدستور والتى تكفل الحق فى التجمع السلمى ولكل فرد الحق فى حرية التنظيم مع آخرين ، بما فى ذلك الحق فى تكوين الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات والاتحادات المهنية بديلاً للمنشأة ، وتتخذ موقفاً لاإنسانياً بل يجافى ما هو لا أخلاقى عندما يصر رئيس الجمهورية على عدم اتخاذ قرار سياسى يعيد المفصوليين الى عملهم . وهو بهذا التصرف الذى ينزع منه القوامة على المواطنين ويجعله غريباً عن الأغلبية الساحقة منهم بمنعهم من حق العمل ، فإنه يخرق المادة (45) من الدستور التى تحترم كرامة الإنسان وحقه فى العمل الشريف ومشاركته الكاملة فى المجتمع لا يحق له بهذا أن يكون فى قيادة الدولة .فى جانب آخر يرى صديق محمد توم أن كل ما ورد فى الدستور واتفاقية السلام الشامل وغيرها من النصوص كافية لتحقيق التوجه الديمقراطي إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الأطراف المشاركة فى الحكم وأكد أن المحك لتحقيق ذلك ،في إمكانية ممارسة الشعب لخياراته عبر الانتخاب الحر للناخبين عبر قانون انتخابات يتيح الفرصة للجميع على قدم المساواة ويضمن قيام انتخابات حرة نزيهة. وفى نفس الإتجاه جاء حديث الأستاذ ، الفاضل الأمين مضيفاً إليه أهمية الالتزام ببعض الضوابط و المعايير الأساسية التي تحدد مدى ممارسة الديمقراطية في المجتمعات من قبل المواطن والسلطة الحاكمه ، على جميع الأصعدة كاحترام حرية التعبير ، حرية التجمع السلمي ، حرية التنقل ، حرية الدين والاعتقاد ، الحق في الخصوصية الشخصية إضافة إلى وجود قوانين و قيود دستورية تضبط عمل الحكومة – حرية الكلمةوالرأي – حرية الصحافة والإعلام – انتخابات حرة ونزيهة ودورية – عدم مصادرة الجنسية قصرا وبدون أسباب قانونية توجب ذلك – حرية التجمع والتظاهر السلمي، التعددية السياسية الحزبية . ويمضى الفاضل فى حديثه الى دور المواطن فى تحقيق ذلك فيقول :- إن دور المواطن لا يقتصر أو يتوقف عند حد مطالبة الدولة التي يعيش بها الاعتراف بحقوقه، إنما يترتب عليه هو أن يمارس هذه الحقوق والحريات ممارسة فعلية، وان يهتم بصفة شخصية بمشاكل وهموم وشؤون مجتمعة ككل ليشارك كل مواطن بصورة غير مباشرة في الحياة والسياسة العامة دون أن يكون بالضرورة عضوا في الحكومة، وذلك  يستدعي نضج ووعي لدى جميع المواطنين،الإطلاع على النظام القانوني  مضيفاً لذلك قدرة المواطن على الحكم على أداء الحكومة وعملها، والسياسيات العامة التي تنظم المجتمع وغيرها من الأمور، والمقدرة على تحليل الأمور والمعلومات التي تهم الفرد والمجتمع ككل .سليمان حامد يرى أن الواقع الحالي يصعب معه الحديث حول التحول الديمقراطي فيقول: أمام هذا الواقع يصعب الحديث عن امكانية التحول الديمقراطى إلا إذا حدث ً نهوض جماهيري واسع ومتصاعد يستطيع أن يحدث تغييراً جوهرياً فى الاتفاقيات الثنائية سواء بين الحركة الشعبية أو حركة تحرير السودان (جناح مناوى)  وعلى وجه الخصوص اتفاقية نيفاشا (CPA) التى منحت السلطة (52%) من السلطة والثروة . وهذا يستوجب تضامن كل هذه الحركات مع جماهير الشعب السودانى واقناع قوى واسعة من صانعى هذه الاتفاقيات سواء من الإيقاد وشركائها أو الذين فرضوا أبوجا الخ ، إقناعهم بأن هذه الاتفاقيات لن تؤدى إلا إلى المزيد من الخراب الاقتصادى والسياسى والاجتماعى... ولا بد من فرض فرضية المشاركة فى حل أزمة الوطن دون الانتقاص من المكاسب التى أحرزتها اتفاقية السلام الشامل (CPA) للجنوب ، وبما يمكن أهلنا فى دارفور والشرق والشمالية من نيل مطالبهم العادلة فى قسمة السلطة والثروة ، إضافة الى ً العمل على تنفيذ اتفاقية نيفاشا وبشكل أدق كل ما هو ايجابى فيها ومراجعة سلبياتها ،وكل ما تحاول السلطة الالتفاف حوله مثل دور جهاز الأمن وسلطته والذى تحول الآن الى قوى ضاربة بدلاً من أن يكون جهازاً مهنياً يقتصر دوره فى تجميع المعلومات ورفعها الى السلطة ، وكذلك الاصرار على استمرار قوات الدفاع الشعبى الذى يخرق وجودها الدستور واتفاقية السلام الشامل ، الخ عشرات البنود التى لم يتم تنفيذها حتى الآن .، تنفيذ اتفاقية القاهرة والاصرار الشعبى على ممارسة الآليات التى تم الاتفاق عليها وتسوف السلطة بل وتتلكأ فى تنفيذها بحجج واهية ،  الاصرار على تكوين المفوضية القومية للإنتخابات والتى توجب أن تساهم فيها كل القوى السياسية بنسب متساوية لا تجعل حزب المؤتمر الوطنى صاحب الأغلبية فيها ، لضمان رقابتها على كل تفاصيل العملية الانتخابية ، والإصرارأيضاً على وجود هيئة رقابية دولية تختارها اللجنة القومية الممثلة لكل الأحزاب وتحدد مهامها والكيفية التى تراقب بها أدق تفاصيل العملية الانتخابية ، يسبق كل ذلك مراجعة تامة لكل بنود الدستور ، وكل القوانين الاستثنائية  ،بحيث تتاح الحريةالكاملة لشعب السودان فى المشاركة فى اتخاذ القرار والرقابة وابداء الرأى فى الكيفية التى يحكم بها ،  ضمان استقلال القضاء وقوميته ونزاهة الأحكام التى يصدرها ، إعادة النظر في كافة أجهزة الدولة خاصة ما يتعلق منها بقومية واستقلالية القوات المسلحة والشرطة وكل القوى النظامية الأخرى والخدمة المجنية وانهاء تبعيتها لحزب المؤتمر الوطني. ، ً مراجعة الوضع فى مفاتيح ومفاصل الأوعية الاقتصادية وعلى رأسها البنوك والمؤسسات التى أسستها الدولة وتبعتها للأمن والداخلية والجيش  الخ وأعادتها الى وزارة المالية .. ومراحعة كافة لشركات التى يمتلكها أثرياء الرأسماليبة الكفيلية ، وإنهاء الدمج بين أموال الحزب والسلطة والتى يسخرها المؤتمر الوطنى لتمكين نفسه فى الانتخابات القادمة . إذا حدث هذا وهو موجود فى صلب الدستور وفى الاتفاقيات المبرمة ، فإن امكانيات التحول الديمقراطى تصبح أمراً وارداً.وحول كيفية تحقيق التحول الديمقراطي يشدد صديق محمد توم على أهمية توفير  
مظاهر الأنظمة والمجتمعات الديمقراطية، هو ضمان حرية التعبير عن الرأي والرأي الأخر، حرية العمل والمشاركة وتشكيل المؤسسات والجمعيات والأحزاب السياسية والانضمام إليها
ويمضى فى هذا الاتجاه فيقول : إننا إذا أردنا أن نعيش في اجواء ديمقراطية حقيقية فينبغي ألا نتوقعها هبة من احد، لا في الخارج ولا في الداخل، فالديمقراطية الموهوبة أو التي تأتى فرضاً أو رضوخاً لواقع سياسي معين ، أو في سياق الخروج من أزمة سياسية هي مولود هش وفاقد المناعة، يمكن العصف به بمنتهى السهولة ، أما الديمقراطية الحقيقية فلا تتوافر الا اذا تم تحصيلها من خلال نضال وإيمان قوى بأهمية تحقيقها وبحلاوة جنى ثمارها وما تحققه من إيجابيات فى بناء الوطن الحر الديمقراطي الذي ينشده الجميع ، كما يجب  ألا تختزل الديمقراطية في اجراءات وهياكل، حيث ثبت ان أيسر وسيلة لتزوير الديمقراطية هي اتخاذ اجراءاتها واقامة مؤسساتها وهياكلها، ثم تفريغ ذلك كله من مضمونه، ولا سبيل لتجنب ذلك المصير البائس، ولا بالدخول الى الديمقراطية من باب اطلاق الحريات العامة، التي تمكن المجتمع من أن يرفع صوته عاليا، ممارسا لحقه في المشاركة والنقد والمساءلة، وحين يستعيد المجتمع عافيته على ذلك النحو فإن حركته وأنشطته تنمو نموها الطبيعي، فتترجم الى مؤسسات أهلية أو تجمعات سياسية، تصبح قادرة على تثبيت قوائم الحرية وقطع الطريق على أي محاولة للعبث بمقدراته، سواء بالعدوان على القانون أو تزوير ارادة الشعب في أية انتخابات. وحين يتحقق ذلك، أو تلوح بوادر تحقيقه، عندئذ فقط سيكون بوسعنا ان نتفاءل بمستقبل الديمقراطية في بلادنا. يوافق صديق محمد توم الرأى سليمان حامد فى أهمية إرساء القيم الكفيلة بتحقيق التحول الديمقراطي فيمضى فى هذا الجانب ويقول ، فإن حدوث كل ما أشرنا إليه يستوجب نضالاً جماهيرياً متسعاً تسهم فيه كل القوى المعارضة فى نضال وصراع وطنى مثابر ، ومعارك متوالية تفرق بين الزيادات فى أسعار السلع والكوارث التى أحدثها الفيضان .

تقرير : لمياء الجيلى


علِّق

Please solve the math problem above and type in the result. e.g. for 1+1, type 2
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.
معلومات أكثر عن خيارات التنسيق