السودان الحقوق الرقمية وتهديدات بمزيد من الحجب

 

لمياء الجيلى أبوبكر – صحفية مستقلة

منذ مطلع هذا العام يدور جدل كثيف فى الساحة السياسية السودانية  نتيجة للتهديد الحكومى بإغلاق بعض مواقع التواصل الاجتماعى ، خاصة موقعى الفيسبوك والواتساب . فقد أعلنت السلطات السودانية عن دراسة فنية تعدها بهدف السيطرة على مواقع التواصل الاجتماعى ، بالإضافة إلى حجب عدد من المواقع الإلكترونية . وحسب وكالة أنباء قريبة من الحزب الحاكم (SMC) أن مصطفى عبد الحافظ عضو الهيئة القومية للاتصالات قال أن السلطات ستعمل على إغلاق المواقع السلبية بنسبة 100% . وبررت الهيئة القومية للاتصالات قرارها هذا بحماية المجتمع السودانى من من الأثار السالبة للمواد التى تتنافى مع قيم الدين والتقاليد الاجتماعية ، إلا أن مراقبون سياسيون يشككون فى ذلك ويرون أن الدافع الحقيقى لذلك تناول العديد  من قضايا الفساد الحكومى عبر قنوات التواصل الاجتماعى الأمر الذى سبب قلق لعدد من الشخصيات القيادية فى حزب المؤتمر الوطنى الحاكم.

احكام الرقابة الأمنية على الإعلام وعلى الإنترنت ليس بالأمر الجديد على السلطات السودانية ففى يوليو 2012 قطعت خدمة الإنترنت لمدة 12 ساعة أثناء تظاهرات عارمة ، كما  قامت السلطات بإلاغلاق كامل لشبكة الإنترنت فى سبتمبر 2013  لمدة 24 ساعة ، وذلك عقب تظاهرات عمت أجزاء عدة من البلاد واستمرت لأيام .  ساهمت قنوات التواصل الاجتماعى فى بث وفضح تعامل السلطات العنيف مع المتظاهرين ، واستخدام القوة المفرطة والتى أدت إلى مقتل أكثر من 177 و اعتقال أكثر من 800 شخص.[1] كما تم حجب عدد من المواقع الإخبارية السودانية  كموقع صحيفتى الراكوبة وحريات ، وموقع سودانييز أونلاين ، وموقع اليوتيوب . وذلك بهدف حجب المعلومات حول الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان التى تمت لقمع التظاهرات السلمية.

حسب مراسلون بلا حدود يوم 25 سبتمبر  2013 “أن  السلطات السودانية  أغلقت شبكة الإنترنت لمدة 24 ساعة بكل شبكات الاتصالات ، عادت بعدها الشبكة تدريجياً للبلا”د[2]. واعتبرت مراسلون بلا حدود السودان واحداً من 31 دولة حول العالم من (أعداء الإنترنت) للعام 2014 ولفتت إلى أن مؤسسات تابعة لدول أفريقية جاءت ضمن قائمة أعداء الإنترنت من بينها ثلاث مؤسسات سودانية وهى الإستخبارات السودانية ، ووحدة الجهاد الإلكترونى والهيئة القومية للاتصالات.

يوم 17 فبراير أطلقت citizen lab  تقريرها للعام 2014 والذى كشفت فيه ان حكومات قمعية من بينها حكومة السودان تستخدم تقنيات شركة ايطالية مقرها فى ميلان للتجسس على المعارضين . وذلك عبر برنامج متطور يسمى RCS للتنصت والمراقبة والتجسس على مستعملي شبكة الإنترنت .من خلال هذا البرنامج تستطيع الأجهزة الأمنية تسجيل البيانات الموجودة داخل أجهزة الكمبيوتر المتصلة بشبكة الإنترنت والسيطرة عليها ، وتسجيل  كل ما هو محيط بهذه الأجهزة مع نقله إلى الجهة المستفيدة . وأوضح التقرير قائمة ب21 دولة  تستورد هذه الأجهزة من الشركة الإيطالية من ضمنها : السودان ، اذربيجان ، كولومبيا ، المجر ، ايطاليا ، كازخستان ، كوريا ، المكسيك ، نيجيريا ، بنما ، تايلاند ، اوزبكستان ، المغرب ،مصر ،الإمارات العربية المتحدة،السعودية، تركيا ، إثيوبيا ، عمان ،ماليزيا .  كما رصد التقرير استخدام برنامج التجسس فى السودان عبر شركة ( مسبار ) . وفى نفس الاتجاه  اوردت مجلة ( وايرد ) الإيطالية على لسان ( كلاوديو كوارنييري ) أحد معدى الدراسة : ( توثيقاً لاستعمال برنامج RCS في مناسبات كثيرة ضد الصحفيين ،  وتواجد دول كالسودان والعربية السعودية وأوزبكستان في لائحة مستعمليه يفند ما تقوله شركة Hacking Team بكونها تراقب إستعمال منتوجاتها في إطار القانون واحترام حقوق الإنسان ) .

 على الرغم من أن قانون الهيئة السودانية للاتصالات 2007 يحظر التنصت على أى شخص وفقاً للمادة (34) (1)  والتى تنص على أن“الهيئة تحظر الدخول على المحادثات أو التنصت عليها أو مراقبتها إلا بقرار من وكيل النيابة أو القاضى المختص” ، وكذلك قانون جرائم المعلوماتية للعام 2007  والذى يمنع منعاً باتاً التنصت أو اعتراض أو إلتقاط الرسائل الإلكترونية،  إلا أن السلطات الأمنية فى الغالب لا تلتزم بهذا النص ولا تحاسب عليه مستفيدة من الحصانات الواسعة التى يكفلها لها قانون الأمن الوطنى والمخابرات 2010 .

 فى فبراير 2014 طالب رئيس لجنة الاتصالات بالبرلمان  وقف عمليات  التنصت والتجسس والمراقبة التى تتم عبر شركات الاتصال ، مشيراً إلى عدم قانونية ذلك . وفى 11 مايو 2014 اتهم نواب البرلمان جهات رسمية بانتهاك خصوصية المواطنين والتنصت على مكالماتهم الهاتفية وطالبوا هيئة علماء السودان باصدار فتوى دينية تحرم التنصت على المكالمات الهاتفية.[3]

تتم عمليات التنصت والتنقيح والملاحقة على الاتصالات عبر وحدة متخصصة أنشأت العام 2011 تسمى وحدة (الجهاد الإلكترونى) تأكيداً للحرب الإلكترونية التى تشنها السلطة على معارضيها.. يعمل فى هذه الوحدة مهندسين خبراء فى التجسس والتهكير الإلكترونى ، تلقوا تدريبات متقدمة فى إيران ودول أخرى حليفة للنظام الحالى. يساعد هذه الوحدة قسم  تقنى خاص بالرقابة  بشركات الاتصالات  يتبع مباشرة لجهاز الأمن الوطنى والمخابرات. كما أن للهيئة القومية للاتصالات أيضاً وحدة مراقبة مكثفة تعمل على حجب المواقع وفقاً لسياسات الهيئة. ، تستعين فى ذلك بوحدة خاصة فى وزارة الداخلية تسمى “شرطة أمن المجتمع” تختص بمتابعة شبكة الإنترنت.

تصرف الحكومة السودانية اكثر من 70% من ميزانيتها على الأجهزة الأمنية وعلى شراء أجهزة رقابة متطورة وحديثة تمكنها من مراقبة ومتابعة معارضيها ومن حجب بعض  المواقع الإلكترونية. ففى  عام 2004 اتخذت الهيئة القومية للاتصالات قرارا بتركيب أجهزة الرقابة على مواقع الإنترنت وحددت سياستها الرقابية على الانترنت والتى تتمثل فى حجب المواقع الإباحية والتى تتعارض مع الأخلاق وثوابت الأمة، إلا أن التجربة العملية أثبتت أن هذا الحجب يتجاوز الآليات التى أعلنت عنها الهيئة إلى مواقع سياسية وثقافية وأدبية .

مستفيدة مما لديها من أجهزة وبرامج حديثة تعمل وحدة الجهاد الإلكترونى على مراقبة ومتابعة الاتصالات عبر الانترنت ، وقنوات التواصل الاجتماعى ، فيتم من خلال ذلك تسريب العديد من المعلومات الغير دقيقة ، وتسريب الشائعات التى تصب فى مصلحة النظام ، وفى نفس الوقت العمل على تشويه المعارضيين ، أو  إرسال رسائل تهديدية بهدف تخويفهم وإثنائهم عن نشاطهم فى تلك المواقع. هذا بالإضافة إلى الإستفادة من التقنيات الحديثة فى متابعة وملاحقة الناشطين ، والتجسس على بريدهم الإلكترونى وعلى تواصلهم عبر شبكة الإنترنت.

 وفى الوقت الذى تطور فيه السلطات قدراتها الرقمية عبر أجهزة وبرامج حديثة وتدريب كوادرها، يفتقد الناشطون العديد من الخبرات التى تمكنهم من حماية أنفسهم وبياناتهم وحماية تواصلهم عبر الشبكة العنكبويتة. وذلك لضعف قدراتهم المالية ، ولقلة فرص التدريب فى الحماية الرقمية. بالإضافة إلى التأثيرات السالبة للحظر الأمريكى على السودان والذى يشمل التكنولوجيا الحديثة والتدريب عبر الإنترنت. إذ يصبح من الصعب الحصول على البرامج الأصلية أو تحديثها  سواء كانت مضادات الفيروسات أو أياً من البرامج الحديثة للحماية الرقمية.

التشريعات القانونية  الحالية للتعامل مع الإنترنت فى السودان مثل قانون المعاملات الرقمية وقانون جرئم المعلوماتية لعام 2007 عالجت بعض الجوانب الخاصة بالتقنية الرقمية مثل منح الترخيص وموجهات تشغيل الشبكة ، فيما تجاهلت تلك القوانين حقوق الإنترنت وكيفية التعامل عبر شبكة الإنترنت. الأمر الذى إعتبرته بعض المنظمات الصحفية الحقوقية كصحفيون لحقوق الإنسان –جهر-يشكل فراغاً تشريعياً فيما يتعلق بالتقنيات الرقمية العمومية. [4]

سن تشريعات تنظم التعامل عبر الإنترنت وتحمى وتصون الحقوق الرقمية وتوفير فرص لتدريب وتأهيل المدافعين عن حقوق الإنسان وتطوير قدراتهم فى حماية أنفسهم رقمياً من الأشياء الضرورية والعاجلة والتى تتطلب من المجتمع المدنى السودانى والمنظمات الحقوقية العمل على تحقيقها.


[1]  http://www.acjps.org/?p=1663 المركز الأفريقى لدراسات السلام والعدالة

[3] سودان تربيون http://www.sudantribune.net/%D9%85%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%A7%D8%B5%D8%AF%D8%A7%D8%B1,8133

[4] إطفاء الشموع: إنتهاكات الحقوق الرقمية فى السودان

نبذة قصيرة عن lemiakatib

لمياء الجيلي صحفية سودانية معنية بقضايا حقوق النساء وحرية الإعلام والتعبير - عضوة في عدد من الشبكات الإعلامية والنسوية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف غير مصنف. الأوسمة: . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create